الشريف الرضي

234

المجازات النبوية

معنى يتغنى بالقرآن : أي يذكر القرآن ، من قولهم : تغنى فلان فلان إذا ذكره في شعره ، إما هجاء وإما مدحا . فأما الحديث الآخر وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " . فليس المراد به هذا المعنى ، وإنما أراد عليه الصلاة والسلام ليس منا من لم يستغن بالقرآن عما سواه ، وتغنى هاهنا بمعنى استغنى ، وهو تفعل من الاستغناء لا من الغناء . قال العجاج : أرى الغواني قد غنين عنى * وقلن لي عليك بالتغني أي استغنين عنى وقلن لي : استغن عنا كما استغنينا عنك . وهذا عند موت الشباب ، وانقضاء الآراب ( 1 ) . ويؤكد ذلك الحديث الآخر وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " من قرأ القرآن فرأى أن أحدا أعطى أفضل مما أعطى فقد عظم صغيرا وصغر عظيما " . ولو كان المراد بالتغني في هذا الخبر ترجيع الصوت بالقرآن لكان من لم يقصد هذه الطريقة في تلاوته ، ويعتمدها في صلاته ، داخلا تحت الذم ، ومقارفا للذنب ، لأنه عليه الصلاة والسلام قال : ليس منا من لم يتغن بالقرآن . فبان أن المراد به الاستغناء لا الغناء ( 2 ) .

--> ( 1 ) الآراب : جمع أرب ، وأصلها أرأب فقلبت الهمزة الثانية مدة من جنس حركة ما قبلها . ( 2 ) ما في الحديث من البلاغة : في الحديث استعارة تبعية في " ما أذن الله لشئ " وتصريحية في " كأذنه " حيث شبه في الأولى رضى الله عن النبي الذي يتلو القرآن بالسماع والاعجاب ، بجامع الرضى في كل : واشتق من الاذن بمعنى الرضى ، أذن بمعنى رضى على طريق الاستعارة التبعية ، وشبه في الثانية الرضى بالسماع مع الاعجاب ، واستعمل لفظ المشبه به في المشبه ، وفيه أيضا استعارة تبعية في " يتغنى " ، حيث شبه القراءة المرتلة الخاشعة بالتغني ، بجامع استمالة القلوب في كل ، واشتق من التغني بمعنى القراءة بخشوع يتغنى بمعنى يقرأ بخشوع على طريق الاستعارة التبعية .